تحليل أهداف ونتائج ثورة الإمام الحسين (عليه السلام)

تحليل أهداف ونتائج ثورة الإمام الحسين (عليه السلام)

إشارة

كتاب «المحاضرات الأربع» هو حصيلة تدوين أربع محاضرات ألقاها سماحة قائد الثورة الإسلامية آية الله الخامنئي يحلل فيها ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) من منظور اجتماعي. القاسم المشترك بين هذه المحاضرات هو أنها عالجت واقعة عاشوراء كمصدر معرفي لحاضر الثورة الإسلامية، وفسّرت بنحو من الأنحاء الشعار القائل: «كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء».

فيما يلي مراجعة للأفكار المطروحة في المحاضرة الثانية من الكتاب. حاول آية الله السيد الخامنئي في هذه المحاضرة إيضاح أهم دروس ثورة عاشوراء وأكثرها محورية.

دروس للتاريخ

لو دققنا في مسيرة الإمام أبي عبد الله (عليه السلام) من المدينة إلى مكة ومنها إلى كربلاء طوال عدة أشهر لأمكن أن نستخرج منها أكثر من مائة عنوان لمائة فصل كل واحد منها درس لأمّة بكاملها، ولتاريخ بكامله، ولبلاد برمّتها، ولتربية أنفسنا وإدارة المجتمع والتقرّب إلى الله. ولكن ثمة درس أساسي ومحوري تعد كل تلك الدروس بالنسبة له هوامش فيما يعد هو الأصل والمتن، ألا وهو دراسة هذه القضية: لماذا ثار الإمام الحسين (ع)؟

كان للإمام أبي عبد الله (ع) حسب الظاهر خيارات أخرى غير الثورة والمسير إلى الكوفة، ولو اختار تلك الخيارات لاستطاع إنقاذ حياته وأهل بيته والحفاظ عليهم ليواصل عباداته والدعوة إلى الإسلام الحقيقي، لكنه لم يفعل ذلك بل ثار، لماذا؟ ماذا كان هدفه من هذه الخطوة ومن الاستشهاد؟

وجهات نظر حول أهداف الإمام الحسين (ع)

هناك رؤيتان شائعتان ومعروفتان حول أهداف ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) ينبغي في البداية تسليط الضوء عليهما:

1 ـ إقامة دولة: يعتقد البعض أن الإمام الحسين أراد إسقاط دولة يزيد وإقامة دولة أخرى مكانها. هذا الكلام نصف صحيح. لأنه لو ثار شخص بهدف إقامة حكم ودولة فإنه سوف يمضي في دربه هذا إلى الحد الذي يكون فيه هذا الهدف ممكناً وميسور التحقيق. وبمجرد أن تقل حظوظ واحتمالات تحقيق هذا الهدف سيكون من واجبه أن يعود عن طريقه.

2 ـ الاستشهاد: يقول البعض إن الإمام كان يعلم أنه لا يستطيع إقامة حكم واستلام سلطة، وإنما سار أساساً لكي يستشهد، أي لأن الإمام كان يعتقد أن البقاء لا يمكن أن يجدي نفعاً إذن فلنذهب ونفعل شيئاً عن طريق استشهادنا! مثل هذه الفكرة لا تستفاد إطلاقاً من الروايات والآيات. لأن الشهادة التي ذكرت في الشرع المقدس معناها أن يسير الإنسان من أجل تحقيق هدف مقدس، هو واجب أو راجح، ويكون مستعداً حتى لأن يقتل في سبيل ذلك. إذن الشهادة بحدّ ذاتها وفي نفسها لا يمكن أن تكون هدفاً. لذلك رغم وجود جزء من الحقيقة في هذا التحليل إلّا أنه لا يمثل ذلك الهدف الخاص بحدث له هذه العظمة.

الخلط بين الهدف والنتيجة في تحليل ثورة عاشوراء

الذين قالوا إن «الهدف هو الحكم» أو «الهدف هو الشهادة» خلطوا بين الهدف والنتيجة. لأن الهدف غير ذلك. كان للإمام الحسين (ع) هدف آخر يتطلب تحقيقه والوصول إليه حركة ومبادرة لها إحدى نتيجتين: «الحكم» أو «الشهادة» وقد كان الإمام أبو عبد الله (عليه السلام) مستعداً لأيّ واحدة من هاتين النتيجتين. فقد وفر مقدمات الحكم وأسبابه من جهة ووفر لوازم الاستشهاد أيضاً. أية واحدة من هاتين النتيجتين حصلت يكون الإمام قد بلغ هدفه. إذا استلم الإمام السلطة والحكم فسوف يمسك الحكم بقوة ويدير المجتمع باقتدار كما فعل أمير المؤمنين. ولم يكن الأمر بحيث لو لم يصل إلى الحكم فإن الهدف لن يتحقق، لا، فهذا الهدف ممكن التحقيق عن طريق الشهادة أيضاً.

شرح الهدف الرئيس للإمام الحسين (ع) من ثورته

كان هدف هذا الإمام العظيم إنجاز واجب عظيم من الواجبات الإلهية لم يقم به شخص من قبله ـ حتى الرسول الأكرم (ص) والإمام عليّ أمير المؤمنين (ع) ـ إنه واجب على جانب كبير من الأهمية وله مكانته المصيرية في البنية الكلية للنظام الفكري والقيمي والعملي الإسلامي. وإيضاح ذلك أن:

الإسلام نزل على القلب المقدس للرسول الأعظم (ص). وقد عرض الرسول على المسلمين معارف سامية وأحكاماً عملية وقيماً بوصفها أجزاء من الدين، وبالتالي فقد أبلغ المسلمين كلَّ ما هو ضروري لسعادة البشر الأبدية، وهيّأ الأرضية السياسية والاجتماعية لرشد المجتمع الإنساني ووصوله إلى قمّة مقام «خليفة الله»، ووضع المجتمع في مسار الصراط المستقيم. بيد أن السؤال الذي يطرح هو: إذا حصل في زمن من الأزمان انحراف في هذا المسار يهدد أساس الإسلام بالانهيار والسقوط، فما ينبغي أن نفعل؟ الجواب عن هذا السؤال هو تلك الحقيقة التي حضّت الإمام أبا عبد الله (عليه السلام) على تلك الثورة العظيمة. لا شك في أن الله وضع في الإسلام حكماً شرعياً ينبغي العمل به في مثل هذه الظروف ليضمن بقاء الإسلام.

لقد بيّن الإمام الحسين (عليه السلام) بنفسه هذا الحكم الإسلامي عند مسيرته في مواطن عديدة وبتعابير متنوعة حتى لا يستطيع أحد تحريف ثورته. خلاصة الكلام هي أن الإمام الحسين (ع) ثار لإنجاز ذلك الواجب العظيم الذي يتمثل في «تجديد بناء النظام والمجتمع الإسلامي» أو بعبارة أخرى «الثورة بوجه الانحرافات الهادمة للمجتمع الإسلامي». وفي تلك الظروف لم يكن مثل هذا العمل العظيم ممكناً إلّا من قبل الحسين بن عليّ (ع).

إذن، هذا الواجب عبارة عن: متى ما رأيتم نظام المجتمع الإسلامي معرضاً لفساد وانحراف أساسي ويخشى أن تتغير أحكام الإسلام بالكامل، فعلى كل مسلم أن يثور. وعليه فقد كان هدف أبي عبد الله (عليه السلام) من الثورة «إعادة المجتمع الإسلامي إلى الخط الصحيح».

شرط الواجب

القيام بهذا الواجب الإلهي له شرط واحد فقط هو «أن يكون الظرف مناسباً». بمعنى أن يعلم الإنسان أن هذا العمل الذي يقوم به ستصل رسالته إلى الناس وسيفهم الناس ولن يبقوا على خطئهم. أي إن مناخ المجتمع الإسلامي بالشكل الذي كان يعلم معه الإمام الحسين أن رسالة هذه الثورة سوف تصل لأسماع الناس في ذلك الزمان وفي كل أزمنة التاريخ. ولو أراد أن يقوم بمثل هذه الخطوة في زمن معاوية مثلاً لما وصلت رسالته إلى أسماع البشرية، لأن السياسات والأجواء الاجتماعية كانت بالشكل الذي لا تجعل الناس في ذلك الزمن قادرين على تشخيص أحقية كلامه ورسالته.

ما عدا هذا الشرط لا يوجد أي شرط آخر، فلا يسقط هذا التكليف عن عنق الإنسان بذريعة أن هناك خطراً يهدد روحه أو ماله أو سمعته. لأن طبيعة هذا التكليف والواجب أنه يعرض الإنسان لشتى صنوف الأخطار، ولكن ما من مصلحة فوق مصلحة الحفاظ على الدين.

لماذا لم يعمل سائر أئمة الدين بهذه الطريقة؟

يتبين مما قيل لماذا لم يعمل الرسول (ص) نفسه أو الإمام أمير المؤمنين (ع) أو سائر أهل البيت (عليهم السلام) بهذا الحكم. لأنه في زمن الرسول (ص) نفسه لم يكن بالإمكان وقوع مثل هذا الانحراف في المجتمع أساساً. وفي أزمنة باقي الأئمة المعصومين لم يكن الانحراف خطيراً على أساس الإسلامي وركائز المجتمع الإسلامي بتلك الدرجة، فلم تتوفر مثل هذه الظروف في زمن أيّ واحد من الأئمة الآخرين. ولكن إذا توفرت مثل تلك الظروف في زمن الإمام عليّ الهادي (ع) مثلاً لكان قد عمل يقيناً بالطريقة نفسها وربما استشهد مظلوماً، ولا يوجد من هذه الناحية أيّ فرق بين أهل البيت.

الثورة الإسلامية نسخة مصغرة عن ثورة الإمام الحسين (ع)

توفرت في عهد الحكم البهلوي ظروف تشبه تلك الظروف، وقام الإمام الخميني (رض) في زماننا بنسخة مصغرة من العمل الذي قام به الإمام الحسين (ع). لكن تلك الخطوة أدت إلى الشهادة، وهذه الحركة أدت إلى الحكم والدولة. ولكن لو كانت حركة الإمام الخميني (رض) ستؤدي به إلى الشهادة لما سقط الواجب عنه ولوجب عليه أن يسير الدرب هذا إلى نهايته.

 

بوسع الراغبين الضغط هنا للحصول على كتاب «المحاضرات الأربع».

تعليقاتكم
[رمز الحماية الجديد]