«الثورة الحسينية؛ سيف ذو حدّين لمحاربة الرجعية في الأمّة الإسلامية»

«الثورة الحسينية؛ سيف ذو حدّين لمحاربة الرجعية في الأمّة الإسلامية»

إشارة

كتاب «إمامان مجاهدان» الذي تمّ إعداده وإصداره من قبل دار نشر الثورة الإسلامية هو حصيلة ست محاضرات تحليلية ـ تاريخية ألقاها سماحة آية الله السيد الخامنئي في عقد السبعينيات من القرن العشرين. وقد حاول في هذه المحاضرات شرح وإيضاح حقيقة أن صلح الإمام الحسن (ع) وثورة الإمام الحسين (ع) وجهان لحقيقة واحدة وتكتيكان مختلفان لاستراتيجية واحدة، وقد كانت ظروف الزمن هي التي فرضت هذا الاختلاف في التكتيك.

كتاب «إمامان مجاهدان» زاخر بالتحليلات الأصيلة لقضايا وأحداث تاريخية، ويحتوي على تصورات ورؤى مبتكرة لبعض الأحداث والمعارف الإسلامية. وبالرغم من أن موضوع الكتاب مطروق سابقاً إلّا أن الرؤية التحليلية في هذا الكتاب تمتاز بعمق وابتكار مبهر للقارئ. فيما يلي استعراض للمحاضرة الخامسة من هذا الكتاب:

أمر ضروري للمجتمع الإسلامي العالمي

كمقدمة، يتحدث آية الله السيد الخامنئي في بداية الكتاب عن أهمية استيعاب فلسفة ثورة الإمام الحسين (ع)، ويرى أن هذه القضية من أوجب الأمور التي ينبغي التفكير فيها «ضمن آفاق المجتمع العالمي للمسلمين». وحتى المسلمون غير الشيعة مع أنهم لا يعتقدون بالحسين بن علي (عليه السلام) كإمام معصوم، ولكن حيث أنهم يعتبرونه شخصية ممتازة بارزة في تاريخ الإسلام لذا فهم بحاجة إلى التفكير والتأمّل في هذه القضية وإدراك السبب الحقيقي لهذه الثورة.

إن فهم واستيعاب السبب الكامن وراء ثورة الإمام أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) من الأهمية والضرورة بحيث ينبغي على كل واحد من أفراد المجتمع الإسلامي إدراك هذه القضية فضلاً عن المفكرين والمثقفين والمتدينين. وعلى جميع شرائح المجتمع من مدينيين أو قرويين أو متدينين أو غير متدينين أن يكونوا على بيّنة من هذا الموضوع مثلما هم واعون لأهمية مراسم العزاء وفضيلة البكاء على سيد الشهداء (ع). ويجب أن تكون هذه القضية شاملة مستوعبة إلى درجة يعلم بها كل الناس حتى النساء في البيوت وكبار السن. ذلك أن هذه القضية من القضايا الإسلامية الأولى من حيث الأهمية إلى درجة ترتقي معها أهميتها إلى مستوى قضايا رئيسية من قبيل التوحيد والنبوة.

ثلاثة مبادئ أساسية لفهم فلسفة النهضة العاشورائية

يستشف مما مرّ ذكره أن ما قام به الإمام الحسين (عليه السلام):

أولاً كان حركة تعرّضية هجومية، وبعبارة أخرى كان «نهضة» وليس مجرد تمرّد سلبي من أجل عدم البيعة.

ثانياً كان المقرر لهذه النهضة أن تكون «ثورة»، بمعنى أن الإمام الحسين بدأ حركة هادفة لإعادة بناء النظام القائم وإعادة صياغة الوضع المنحط الذي ساد المجتمع الإسلامي آنذاك ومنحه شكلاً جديداً.

ثالثاً كان ذلك الشكل الجديد الذي أراد الإمام الحسين (ع) إضفاءه على المجتمع الإسلامي هو نفسه الشكل الذي منحه الرسول الأعظم (ص) لمجتمع الشرك الجاهلي. وعليه فالثورة الحسينية تتمة واستمرار للثورة المحمدية.

مناقشة «إمكانية النهضة» في زمن معاوية

يستعرض آية الله السيد الخامنئي نماذج تاريخية لتحريف الإسلام ويوضّح الدور الحيوي لثورة عاشوراء في إحياء الإسلام النبوي، ويثير السؤال القائل: لماذا جاءت ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) متأخّرة هكذا وفي سنة 61 هجرية، ولماذا لم يثر في وقت مبكر أكثر في زمن معاوية؟ ليواصل بحثه ودراسته ويقدم في الإجابة عن هذا السؤال رؤية تفصيلية مطوّلة نسبياً خلاصتها أن «هذه العملية لم تكن جائزة في زمن معاوية، لأن الظروف والإمكانيات لم تكن متوفرة له. ولا ريب في أن حركة اجتماعية بهذه الدرجة من الأهمية تحتاج إلى أرضيات مناسبة كان لا بدّ من توفرها مسبقاً، أرضيات فكرية واجتماعية وسياسية وتوازن في الشؤون العامّة والكلية كان لا بدّ أن تكون محرزة ومضمونة لدى الإمام».

ولم تكن هذه الظروف والشروط والأرضيات متوفرة في زمن معاوية، ولكن عندما جاء يزيد من بعده توفرت الأرضية المناسبة وأضحت هذه الحركة «ممكنة». ويستدل آية الله السيد الخامنئي بشاهد على ذلك من خطبة للإمام الحسين (ع) في منى أواخر زمن معاوية، وفي تلك الخطبة دلالة على أن الزمن الموعود قريب وأن تلك الظروف والشروط بدأت تتوفر شيئاً فشيئاً.

على أساس أي حكم إسلامي قامت نهضة عاشوراء؟

ماذا كان هدف سيد الشهداء (ع) من حركته التاريخية، وأي جزء من الدين حققه بخطوته هذه التي قام بها؟ هذه هي القضية الرئيسية المفتاحية التي يناقشها آية الله السيد عليّ الخامنئي في محاضرته هذه. ولأجل التأشير على أهمية هذه الحركة يوضح بأن «هناك حكم في المدرسة الإسلامية كلها لم يعمل به الرسول الأكرم (ص) ولم يعمل به الإمام عليّ أمير المؤمنين ولا الإمام الحسن المجتبى (ع)، لكن الإمام سيد الشهداء (ع) عمل به وطبقه!» ويواصل شرحه فيقول: «ولم يكن عدم عمل أولئك الأجلّاء تقصيراً بل بسبب أن أرضية العمل بذلك الحكم لم تكن مهيّأة أساساً في أزمانهم». فما هو ذلك الحكم الذي كان أساساً ومصدراً لنهضة عاشوراء؟ يُسهب آية الله السيد الخامنئي في بيان وشرح ذلك الحكم.

لقد وضع الرسول الأعظم (ص) المجتمع الإسلامي باتجاه وطريق نحو هدف معين، وذلك الهدف أو المقصد هو «وصول الإنسان إلى مقام الخلافة الإلهية» بمعنى أن يكون خليفة الله على الأرض، وبيّن (ص) الأحكام والمعارف الإسلامية للتحرك السليم المستقيم نحو ذلك الهدف. ولكن لا مراء في أن هناك أيد خائنة ومغرضة ومزوِّرة تحاول تحريف هذا القطار عن مساره الأصلي. فما هو الواجب والتكليف إذا انحرف هذا القطار عن مساره في زمن من الأزمان وخرج عن سكّته؟ الجواب عن هذا السؤال هو أحد التعاليم والأحكام الكبرى الأساسية في الإسلام، والذي يعالج إشكالية: ما الذي ينبغي فعله عندما تتحوّل الثورة التوحيدية ذات يوم إلى ثورة مضادة؟

من الأكيد أنه طالما كان الرسول (ص) على قيد الحياة لم يكن بالإمكان حصول مثل هذا الانحراف، لذلك لم تكن الأرضية مهيّأة له للعمل بهذا الأمر والحكم الإلهي. ومن بعده رغم أن مسار المجتمع الإسلامي انحرف، ولكن الانحراف لم يكن بحيث يحتاج إلى «ثورة»، وكان بالمستطاع إعادة المسيرة إلى السكّة الأصلية عن طريق السلطة التي استلمها الإمام أمير المؤمنين (ع) والإمام الحسن (ع) من بعده، بيد أن ذلكم الأمامين لم يستطيعا ذلك بسبب الظروف الاجتماعية والسياسية الخاصة التي سادت آنذاك، لذلك لم تتهيّأ لهما أيضاً أرضية وشروط العمل بذلك الحكم والأمر. وبالتالي فقد امتد الانحراف إلى زمن الإمام الحسين (عليه السلام) حيث خرج القطار تماماً عن المسار الصحيح وراح يعود أدراجه نحو الجاهلية.

الثورة بعد الرجعية

الحكم الذي وقعت مسؤولية تحقيقه وتطبيقه على عاتق أبي عبد الله عليه السلام هو الحكم الذي يعبِّر عنه آية الله السيد الخامنئي بعبارة «الثورة بعد الرجعية» أو «الثورة بعد الثورة». وبالطبع كانت له ظروفه المسبقة التي حاول الإمامان المجتبى (ع) والحسين (ع) طوال عشرين عاماً بعد الصلح توفيرها لتحقق هذه الثورة، عشرة أعوام سويةً، وعشرة أعوام بعد استشهاد الإمام المجتبى (ع) وعلى يد الإمام الحسين (ع) بمفرده.

وقد كان هذا الهدف الذي غدا مصدراً لتحرك الإمام الحسين (ع) ودفعه إلى تفهيم التاريخ كله من بعده: ما هو الواجب القرآني والإلهي في أي زمن تحصل فيه مثل هذه الأوضاع والظروف. وعليه لو توفرت لأيّ واحد آخر من الأئمة (عليهم السلام) مثل تلك الظروف لضحّى هو أيضاً بنفس الطريقة وبنفس الشكل في سبيل الثورة التوحيدية للرسول الأعظم (ص).  

حركة الإمام الحسين (ع) بوصفها سيفاً ذا حدّين

يعتمد آية الله السيد الخامنئي على عبارات وأحاديث الإمام سيد الشهداء (ع) نفسه حين يشرح مراده وهدفه، فيوضّح أنه عندما يكون الوضع على هذا النحو يكون الهدف قد تحقق في كل الأحوال، ولن يكون ثمة فارق من هذه الناحية بين أن يصل الإمام إلى نتيجة فيتمكن من إقامة دولة وحكم أو لا يتمكن، لأن أصل هذه الحركة والانتفاضة من قبل أبي عبد الله (ع) يؤدي إلى الإثمار ووضع هذا القطار على سكته الأصلية الصحيحة. وبهذا يردّ سماحته على الشبهة المعروفة القائلة بأن «الإمام الحسين انكسر وخسر المعركة لأنه انخدع بأهل الكوفة» ويقول: لا، فهذه الشبهة لها جذورها في فهم الهدف الذي كان الإمام الحسين يتوخّاه. وإذن، مهما كانت نتيجة الحركة فإن الهدف قد تحقق، وقد عملت هذه الحركة كسيف ذي حدّين.

وعلى هذا الأساس تتبين الأجابة عن الشبهة التي أثارها حتى بعض الخواص في زمانه (ع) وهي «احتمال خيانة أهل الكوفة ومقتل الإمام»، ذلك أن «إحياء كلمة التوحيد والتأسيس للمجتمع الإسلامي الجديد» من الأهمية والرفعة بحيث حتى لو ضحّى الإمام بروحه من أجله لما كان في ذلك من مشكلة.  

مُلهِم الثورات الإسلامية في التاريخ

لو لم يكن الإمام أبو عبد الله (عليه السلام) قد قام بخطوته وحركته هذه لبقي هذا الجزء من الإسلام غامضاً مبهماً إلى الأبد. وقد حاول كثيرون أن يوحوا للمسلمين على مرّ التاريخ بأنه يجب عدم القيام بأيّ شيء في مثل الظروف المماثلة لظروف حكم يزيد، ولو لم يقم الإمام الحسين (عليه السلام) بثورته تلك لزال واندثر هذا الجزء من الدين تماماً وإلى الأبد على نحو اليقين.

لذلك نرى أن أية حركة ثورية إسلامية تكوّنت على مرّ التاريخ كانت مستلهمة من المسيرة التي رسمها الحسين بن عليّ (ع) لقافلة التاريخ الإسلامي، إلى درجة أن الشيعة إلى يومنا هذا ينتظرون قائم آل محمد (عج) ليظهر وينتقم لدم سيد الشهداء (ع)، أي إنه يجب في الواقع أن يظهر لينجز الأمر والعمل الذي أراد أبو عبد الله (عليه السلام) إنجازه.

 

بمستطاع الراغبين في الحصول على كتاب «إمامان مجاهدان» الضغط هنا.

تعليقاتكم
[رمز الحماية الجديد]