تأسيس الحزب السياسي التنظيمي الشيعي

تأسيس الحزب السياسي التنظيمي الشيعي

إشارة:

كتاب «إمامان مجاهدان» من أحدث الكتب التي أصدرتها دار نشر الثورة الإسلامية، ويضمّ ست محاضرات لآية الله السيد علي الخامنئي في تحليل السيرة الكفاحية للإمامين الحسنين (عليهما السلام). النظرة المحورية التي تسود هذه المحاضرات هي أن ما قام به هذان الإمامان الجليلان لا يختلف إلّا في التكتيك والظاهر من حيث الأسلوب الكفاحي، وهو ما تقتضيه الظروف الزمنية لكل واحد منهما، أمّا من حيث الاستراتيجية والهدف فلا فرق بينهما على الإطلاق.

تحليل حادثة الصلح من زاويتين

حادثة صلح الإمام الحسن (عليه السلام) ممكنة التحليل من زاويتين: البعد الأول هو التحليل الجزئي والتفصيلي للصلح نفسه، فما هي أساساً ماهية العمل الذي قام به الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) في المعاهدة التي أبرمت بينه وبين معاوية؟ هل هي استسلام أم مهادنة أم تكتيك أم تغيير لساحة المعركة؟ الزاوية الثانية تتمثل في السؤال: ما هو تأثير هذا الصلح في عموم تاريخ أهل البيت (عليهم السلام) والسيرة السياسية للأئمة المعصومين؟ ما هي مكانة وتأثير هذا الصلح في «الجهاد الدائم المستمر» لأهل بيت الرسول على مدى 250 عاماً؟

يشرح آية الله السيد الخامنئي في المحاضرة الأولى من الكتاب البُعد الأول للقضية، ولكن من أجل التوفر على فهم دقيق شامل لأهمية هذه الخطوة التي قام بها الإمام الحسن (عليه السلام) لا مناص من دراسة البعد الثاني للقضية وتمحيصه والتأمل فيه. لذلك يشرح سماحة السيد الخامنئي هذا البعد الثاني في محاضرته الثانية ليكشف عن الأهمية المصيرية لهذا الحدث في تاريخ الإسلام.

ركائز نظرية الإنسان ذي الـ 250 عاماً

في البداية، من الضروري إيضاح القبليات والأسس النظرية لهذه الفكرة أي «نظرية الإنسان ذي الـ 250 عاماً». لذلك يبدأ آية الله السيد الخامنئي كلامه بإثارة القضية التالية: أي جهاد هو المستمر والدائم؟ ما عدا الإمام أمير المؤمنين والإمام الحسن والإمام الحسين عليهم السلام (وخلال مقاطع قصيرة من حياتهم) هل جاهد باقي الأئمة؟ وأي جهاد؟ الأئمة اللاحقون ضدّ من جاهدوا، وبأية وسيلة، وبأيّ شكل؟ في معرض الإجابة عن هذا السؤال يشرح سماحته المعنى العلمي لـ «الجهاد» من منطلق الالتزام بالركائز العقيدية للتشيع، ليثبت أن كل فترة حياة الأئمة الآخرين (عليهم السلام) كانت كفاحاً وجهاداً في سبيل الهدف ذاته الذي جاهد الإمام أمير المؤمنين والحسنان (عليهم السلام) من أجله: «يجب أن لا نعتبر هذه الأعوام الـ 250 لأئمة أهل البيت (عليهم السلام) أعمار أحد عشر شخصاً مختلفين، إنما ينبغي افتراضها عمر إنسان واحد طال 250 عاماً، وكان له فكر واحد وهدف واحد، وقد كان لهذا الهدف خصوصياته بالنسبة لذلك الإنسان بحيث لم تسمح له على مدى قرنين ونصف القرن أن ينحرف حتى للحظة واحدة وبمقدار شعرة عن هدفه السامي ذاك. طبعاً من الأكيد والمنطقي أنه لم يكن له طوال هذه الأعوام الـ 250 أسلوب واحد وقالب وشكل واحد للكفاح، إنما كان تكتيك الكفاح يتغيّر حسب مقتضى الظروف والأحوال في كل زمان». ويعتبر سماحته هذه الرؤية في تحليل سيرة أهل البيت (ع) «مفتاح حل الكثير من الأسئلة المتعلقة بسيرة الأئمة».

الهدف الوسيط والهدف النهائي للإسلام

الهدف الذي قصده كل الأئمة المعصومين (ع) دائماً ولم يحيدوا أبداً عن مساره هو «تكوين مجتمع إسلامي». هذا طبعاً هو الهدف الإسلامي القريب. هدف الإسلام القريب هو بناء مدينة فاضلة، وهدفه النهائي والغائي المترتّب على ذلك الهدف القريب هو بناء إنسان فاضل و«إنسان كامل».

تأسيس حزب سياسي للتشيع

من أجل أن يستطيع الكشف عن أهمية صلح الإمام المجتبى (عليه السلام) في مصير التاريخ الشيعي على نحو واضح، يعتمد آية الله السيد الخامنئي أسلوباً خاصاً في تحليل التاريخ، فيترك التحليل التفصيلي الجزئي للصلح ويركّز على المنحى التاريخي العام ليدرس ويحلل الأوضاع المستقبلية. ما هو المسار الذي قطعه تاريخ التشيع طوال الفترة الزمنية من 30 إلى 300 عام بعد صلح الإمام الحسن (ع) مع معاوية، أي بعد واقعة عاشوراء إلى زمن الإمام الحسن العسكري (ع)؟ وما الاستراتيجية التي انتهجها الأئمة المعصومون للوصول إلى ذلك الهدف الواحد؟

يبدأ سماحته الحديث بدراسة الظروف التي سادت زمن الإمام السجاد (عليه السلام) ويوضّح أن الدراسة الدقيقة للمصادر التاريخية والروائية والرجالية تدل على أنه منذ زمانه (عليه السلام) كان هناك تنظيم سرّي حزبي سياسي للتشيع يعالج الأمور ويتقدم بها إلى الأمام بتوجيه وهدايته منه (عليه السلام). كما أن الأعمال والخطوات الكفاحية للأئمة اللاحقين استمرت بأشكال مختلفة إلى أن توفرت الأرضية لكفاح أشدّ على يد الإمام الكاظم (عليه السلام)، وطوال هذه المسيرة تحوّل تيار الشيعة الذي كان في منتهى الضعف والعزلة بعد واقعة عاشوراء، بل كان الشيعة الحقيقيون قلائل جداً ويعدون على أصابع اليد، تحول في زمن الأئمة الخمسة الأخيرين (عليهم السلام) إلى ذروة ازدهاره واقتداره.

ولكن كيف؟ بأية استراتيجية عامة استطاع الأئمة المعصومون توجيه وهداية التيار التاريخي للتشيع بهذه الصورة؟ يوضّح سماحته أن كل هذه الأعمال والخطوات والجهود الكفاحية التي عملت على تعزيز العضد الاجتماعي والسياسي للتشيع كانت بفضل عمل تنظيمي بعيد المدى وقوي أسّس له الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام). في ضوء هذا التحليل يعود آية الله السيد الخامنئي لتسليط الضوء على حادثة الصلح فينظر لها من هذه الزاوية. ويستفيد سماحته من الشواهد التاريخية ليوضّح أن اللبنات الأولى للحزب الشيعي السياسي وضعت بعد صلح الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) مع معاوية.

صلح أم وقف إطلاق نار؟

يواصل سماحته حديثه في محاضرته الأولى بالتطرق لأبعاد أخرى من «ضرورة الصلح»، ويستنتج كما أشار بعض العلماء المتقدمون مثل الشيخ الصدوق (رحمه الله) بأن المعاهدة التي عقدت بين الإمام المجتبى (عليه السلام) ومعاوية يجدر أن تسمّى «وقف إطلاق نار» أو «هدنة» أكثر مما يصحّ أن تسمّى «صلحاً» حقيقياً. «وقف إطلاق النار درع مقابل العدو لمدة يمكن خلالها تجديد القوى وتدارك اللوازم والإمكانيات». وهذا التدارك والتدبير جاء على يد الأئمة اللاحقون (عليهم السلام) وبالصورة الصحيحة.

طبعاً في أواسط المحاضرة وفضلاً عن التحليل التاريخي العميق الدقيق، نطالع أيضاً نقاطاً وإشارات دقيقة مهمة أخرى. كمثال على ذلك التفسير العلمي لرواية «إرتدّ الناس بعد الحسين(ع) إلا ثلاثة...» وكذلك المعنى الأصلي والواقعي لـ «التوحيد» والذي لا يحظى عادة بحصته المناسبة من الاهتمام.

 

يضمّ كتاب «إمامان مجاهدان» ست محاضرات لسماحة آية الله السيد عليّ الخامنئي، وصدر عن دار نشر الثورة الإسلامية في 310 صفحات بسعر 27000 تومان.

يمكن للراغبين الحصول على كتاب «إمامان مجاهدان» بالضغط هنا.  

تعليقاتكم
[رمز الحماية الجديد]