الصلح.. خيار ضروري لحفظ الإسلام الأصيل

الصلح.. خيار ضروري لحفظ الإسلام الأصيل

كتاب «إمامان مجاهدان» الذي تم إعداده وإصداره من قبل دار نشر الثورة الإسلامية هو محصلة ست محاضرات تحليلية – تاريخية لآية الله السيد علي الخامنئي ألقاها في عقد السبعينيات من القرن العشرين للميلاد. وهو من الكتب القليلة التي أرفقت «التحليلَ التاريخي العام» باستعراض «التفاصيل والوثائق التاريخية» ليعمد إلى شرح وإيضاح حقيقة أن صلح الإمام الحسن (ع) وثورة الإمام الحسين (ع) وجهان لحقيقة واحدة وتكتيكان متباينان لاستراتيجية واحدة فرضتهما الظروف الزمنية المتفاوتة. فيما يلي مراجعة للآراء المطروحة في المحاضرة الأولى من هذا الكتاب:

ألم يبق أمام الحسن المجتبى (عليه السلام) من سبيل سوى الصلح؟ لماذا لم يهب إلى الحرب بشجاعة كما فعل أخوه أبو عبد الله الحسين (عليه السلام) ليستشهد بعزة وبطولة ويتألق اسمه في التاريخ إلى الأبد؟ ألم يكن الصلح في تلك الظروف بمعنى الاستسلام للعدو؟ ألم يكن هناك احتمال انتصار في تلك الحرب نفسها؟ ألم يكن بوسعه اعتماد أساليب أخرى بكياسة للانتصار على العدو؟ ألم يكن بمقدوره التراجع بشكل مؤقت وتجهيز جيش لخوض معركة قوية واستئناف القتال والحرب؟ هل كان الصلح ضرورياً حقاً في تلك الظروف؟

حادثة صلح الإمام الحسن (عليه السلام) من الوقائع التاريخية القليلة التي كانت في زمانها وبعد سنين طويلة من وقوعها مثار أسئلة ونقاشات كثيرة مقارنة إلى باقي الأحداث في تاريخ الإسلام، وبقيت دوماً محاطة بغبار من الغموض والإبهام. وقد بلغ هذا الغموض درجة ترك حتى بعض خواص الشيعة في حيرة من هذه القضية ولم يتوفروا على تبرير واضح لها. وبالطبع فإن أعداء أهل البيت (عليهم السلام) أيضاً كرّسوا ذلك الغموض بدوافع وافتراءات من قبيل الخوف، وبيع الخلافة، وحبّ البقاء والعيش، أو الهرب من ساحة المعركة. الأسئلة أعلاه جزء من الأسئلة المطروحة حول هذا الموضوع. وتحتاج هذه القضية بكاملها إلى إعادة نظر وبحث ليمكن رسم ملامحها وشكلها الواقعي الناصع.

كتاب «إمامان مجاهدان.. الإمام الحسن والإمام الحسين»، المحاضرة الأولى

يثير آية الله السيد الخامنئي في المحاضرة الأولى من كتاب «إمامان مجاهدان» هذه القضية لمسح شيئاً فشيئاً أغبرة الغموض والعتمة عن هذه الحادثة، ويكشف عن أسباب «ضرورة الصلح» في تلك البرهة من الزمن. ولكي نصل إلى ضرورة الصلح ينبغي أولاً إيضاح أبعاد عدة مسائل قد تمنع التحليل الصائب للواقع.

1 ـ ضرورة الحرب ضد معاوية: لماذا دخل الإمام الحسن (ع) أساساً في حرب ضد معاوية منذ البداية؟ من أجل إجلاء المشهد يعمد آية الله السيد الخامنئي في البداية إلى تحليل عام لتلك الأجواء ويوضح أن هذه الحرب هي امتداد للمواجهة بين جبهتي الإيمان والكفر في بدر وأحد، وبذلك يشرح ضرورة دخول الإمام الحسن (ع) مبكراً في حرب ضد معاوية.

2 ـ مقارنة مجتمعين وجيشين: من العوامل المهمة التي أدّت إلى الحرب الفوارق التي كانت بين مجتمع العراق ومجتمع الشام في تلك الفترة من الزمن. وقد أفرزت تلك الفوارق الثقافية ثمارها في الجيشين، فجعلت جيش الشام في ذلك الجانب جيشاً منسجماً متحفزاً، وجيش العراق في هذا الجانب جيشاً مشتتاً متضعضعاً. وهي ظروف ورثها الإمام الحسن (ع) ولم يكن له أي دور فيها ولم يكن بمستطاعه تغييرها.

3 ـ الفرق بين الإمام (ع) ومعاوية في السياسة: العامل المهم الآخر الذي كان له دوره الكبير في هذا المشهد هو أن معاوية كان يستخدم أي أسلوب ممكن للانتصار ولم يكن ملتزماً بأيّ مبدأ أخلاقي وديني، بينما الإمام الحسن (ع) كان كجده العظيم ملتزماً بأصول ومبادئ هي أعلى من كل المصالح الموسمية والأساس لصياغة أية سياسة أو قرار. وتأتي في تتمة البحث مصاديق هذا الفوارق.

بعد أن يحلل آية الله السيد الخامنئي الأبعاد المختلفة للمشهد يطرق باب التفاصيل والجزئيات ويشرح أحداثاً وقعت في ظل العوامل أعلاه وأدت كقطع متكاملة إلى نتيجة أن الانكسار العسكري سيكون أكيداً قطعياً. وطالما كان الانتصار الآن مستحيلاً والانكسار أكيداً فما هي الخيارات المتاحة، ولماذا اختار الإمام الحسن (عليه السلام) خيار «الصلح»؟

نطالع في بقية المحاضرة الأولى من كتاب «إمامان مجاهدان» بحثاً تاريخياً توثيقياً شيّقاً. يعتمد آية الله الخامنئي على وثائق وشواهد تاريخية ليحلل شخصية الإمام الحسن (ع) ويوضّح أنه لم يكن لديه أي خوف من الموت، وليس هذا وحسب بل كان أشجع الشخصيات في تاريخ الإسلام. وعليه، إذا كان قد اختار الصلح فلم يكن ذلك بسبب الخوف قطعاً إنما كان له سبب آخر هو «ضرورة الصلح» في تلك الفترة من الزمن:

«واجه الإمام الحسن (عليه السلام) ظروفاً جعلت الهزيمة في الحرب أكيدة. لذلك فضّل أن يوقف العدو إلى الحدّ الذي وصل إليه حالياً، ويحافظ على نفسه وعلى النخبة والزبدة من جبهة الحق والإيمان، ويعمل في هذه الفرصة المناسبة التي يوفرها لنفسه على الاستعداد لهجوم واسع، وهذا الهجوم الواسع هو هجوم عقيدي وفكري بالقدر المتيقن، وربما كان عسكرياً أيضاً».

الصلح الذي لو لم يتحقق لكان أولاً «بمعنى أن يترك معاوية مبسوط اليد في تغيير وجه الإسلام، وتسليطه على أرواح الأمة الإسلامية وأموالها وأعراضها، وتسلط خلفاء معاوية أيضاً على طول التاريخ على أرواح البشر وأموالهم، ويترك دوره الحافل بالمسؤولية». ثانياً لو لم يكن هذا الصلح «لما كانت واقعة كربلاء» و«لو كان الإسلام اليوم موجوداً لكان إسلام معاوية، ولو كان القرآن اليوم لكان قرآن معاوية، وإذا كان للإسلام من نبي لكان نبيّه معاوية، ولعُزلت باقي الأسماء في مطاوي النسيان وزوايا التاريخ المظلمة».

 

بوسع الراغبين الحصول على كتاب «إمامان مجاهدان» بالضغط هنا.

تعليقاتكم
[رمز الحماية الجديد]