استعراض لكتاب: «خالد عبر التاريخ.. شخصية الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في كلمات سماحة قائد الثورة الإسلامية»

استعراض لكتاب: «خالد عبر التاريخ.. شخصية الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) في كلمات سماحة قائد الثورة الإسلامية»

أمير المؤمنين.. قدوة لكل الأجيال الإنسانية

«خالد عبر التاريخ» مجموعة من كلمات سماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي (مد ظله العالي) بموضوع ومحورية خصوصيات وأبعاد شخصية الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) صدر عن دار الثورة الإسلامية للنشر. يضمّ الكتاب 26 فصلاً بالعناوين التالية:

الإمام عليّ (ع) شخصية بأبعاد لامتناهية، آفاق العالم مليئة بفضائل الإمام أمير المؤمنين (ع)، أمير المؤمنين على لسان الرسول الأكرم (ص)، الإمام أمير المؤمنين (ع) في كلام الإمام الحسن المجتبى (ع) والإمام الصادق (ع)، شمولية شخصية الإمام أمير المؤمنين (ع)، التوازن في شخصية الإمام أمير المؤمنين (ع)، إيمان الإمام عليّ (ع)، إخلاص الإمام أمير المؤمنين (ع) وتقواه، صبر الإمام أمير المؤمنين (ع) وبصيرته، عبادة الإمام عليّ (ع)، الإمام أمير المؤمنين (ع) بلا ذات أو أنا، الإيثار والإنفاق عند الإمام أمير المؤمنين (ع)، الزهد المُضني لدى الإمام عليّ (ع)، الإمام أمير المؤمنين (ع) واختيار الأصعب، الجدّ والجهد والجهاد عند أمير المؤمنين (ع)، الإمام عليّ (ع) حامل راية العدالة، الإمام أمير المؤمنين (ع) شجاعة منقطعة النظير، الحرص على بيت المال والفقراء، أمير المؤمنين (ع) مقتدر مظلوم، علاقة الحبّ بأمير المؤمنين (ع).

من المميزات النادرة لهذا الكتاب التحقيق والبحث الواسع الذي تم إنجازه فيما يتعلق بمصادره. فالتوثيق والمصادر التاريخية الدقيقة لكلمات سماحة قائد الثورة الإسلامية في هوامش الصفحات وكذلك في الملاحق الـ 23 في نهاية الكتاب، تزيد بلا ريب من استفادة القارئ من هذا الكتاب بدرجة كبيرة.

الخصوصيات الشخصية للإمام أمير المؤمنين عليّ (ع)

من أبعاد شخصية الإمام أمير المؤمنين وخصوصياته المميزة اهتمامه الخاص بعبادة الله تعالى طوال عمره الشريف: «لقد قضى هذا الإنسان العظيم عمره كله بعبادة الله. منذ بداية المطاف عندما بثّ الرسول الأكرم (ص) نور الهداية الإلهية في وجود هذا الإنسان العظيم وإلى لحظة عروجه للقاء الله بسيف أعداء الله، لا نجد هذا الإنسان الكبير حتى لآنٍ واحد غافلاً عن عبادة الله والتوجّه إليه والارتباط به! سواء في أوقات الفرح أو أحيان العزاء والحزن، أو في الحرب أو في السلم، وفي الليل بشكل وفي النهار بشكل، وفي المسجد بنحو وفي ساحة المعركة بنحو، وعلى كرسي الحكم بشكل وفي موضع القضاء بشكل، كان دوماً مرتبطاً بالله متعبداً للخالق يعمل له مخلصاً، هذا هو أمير المؤمنين» (17 أرديبهشت 1367 – 07/05/1988 م).

من القرائن الكاشفة عن الأبعاد العبادية في شخصية الإمام عليّ (ع) الأدعية التي أطلقها فكانت موضع تأمل واستفادة سائر الأئمة (ع) وعظماء الدين: «ذات مرة سألت إمامنا الخميني الراحل الكبير: أيّ دعاء بين أدعيتنا تستحسنونه وتجلّونه أكثر من باقي الأدعية؟ فتأمّل قليلاً وقال: هناك دعاءان، دعاء كميل والمناجاة الشعبانية. والمناجاة الشعبانية يحتمل هي الأخرى أن تكون من إنشاء إمير المؤمنين، فلدينا في الروايات أن جميع الأئمة كانوا يقرأون المناجاة الشعبانية» (12 بهمن 1375 ـ 31/01/1997 م).

زهد الإمام علي (ع) وعدم اكتراثه للدنيا وعدم لهاثه وراءها وجه آخر من وجوه شخصيته عليه السلام: «لا تزال هذه العبارات التي جرت على لسان أمير المؤمنين تدوّي بقوّة في أجواء الخلقة وفضاء الحياة الإنسانية: «يا دنيا... غرّي غيري» يا بهارج الدنيا وتجلياتها ويا أيتها الجماليات الباهرة ويا أيتها الأهواء التي توقع في فخاخها أقوى البشر، إليك عنّي اغربي واخدعي غيري، فعليّ أكبر وأسمى وأقوى من هذه الأمور» (10 بهمن 1369 ـ 30/01/1991 م).

النقطة الجديرة بالتأمل في هذا البحث إطلاق هذا الكلام على لسان شخص كان حاكماً للمجتمع الإسلامي وتوجد بين يديه وتحت تصرفه كل الخيرات والثروات في الأرض الإسلامية المترامية: «أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو على رأس ذلك البلد العظيم المترامي الأطراف وبتلك القدرة وتلك الخيرات والمصادر والثروات في ذلك العصر وفي تلك الفترة من الزمن لم يلوّث نفسه حتى أدنى تلويث بدنيا الإنسان العادي، وكان يقول: «غرّي غيري» اذهبي إلى الآخرين أيتها الدنيا الملوّنة! اذهبي إلى الضعفاء فيدك لا تطال ولن تطال شخصاً مثل أمير المؤمنين!» (8 خرداد 1372 ـ 29/05/1993 م).

من السمات الأخرى لشخصية الإمام أمير المؤمنين على لسان سماحة آية الله العظمى السيد الخامنئي اهتمامه الخاص بنيل رضا الله خلال فترة الثورة الإسلامية التي أطلقها الرسول الأكرم (ص) وكل أطوار حياته الأخرى: «في كل حروب الرسول، وفي معركة أحد عندما ذهب الجميع باستثناء عدد قليل، دافع الإمام أمير المؤمنين عن الرسول. وفي الخندق عندما تهرّب الجميع من منازلة عمرو بن عبد ودّ وتطوع الإمام على عدة مرات لمنازلته، وفي معركة خيبر، وفي حادثة آيات البراءة، وبعد رحيل الرسول، وفي أحداث اختيار خليفة للرسول في السقيفة، وفي الشورى التي تشكلت بعد وفاة الخليفة الثاني، في كل هذه الأحوال لم يهتم الإمام أمير المؤمنين لسوى رضا الله فقط وفقط، واختيار ما ينفع الإسلام والمسلمين خالصاً لله، ولم يشرك الأنا في الأمور أبداً» (16 فروردين 1370 ـ 05/04/1991 م).

يرى سماحة قائد الثورة الإسلامية أن العدالة هي الأخرى من السمات البارزة في شخصية الإمام علي (ع) ويقول: «العدالة والإنصاف من الجوانب الجميلة في شخصية أمير المؤمنين (عليه السلام). قصّة العدالة في حياته عميقة إلى درجة تركت تأثيرها وبصماتها على كل حكومته» (17 دي 1371 ـ 06/01/1993 م).

ومن وجهة نظر سماحته: «لو أراد أمير المؤمنين أن لا يراعي العدالة، ولو أراد أن يلاحظ هذا وذاك، ولو أراد ترجيح شأنه ومقامه وشخصيته على مصالح العالم الإسلامي لكان أنجح الخلفاء وأقواهم، ولما قام بوجهه أي معارض» (8 أرديبهشت 1368 ـ 28/04/1989 م).

كما أن غضّ الطرف عن الأنا والمحسوبيات والتركيز على الواجب الإلهي سمة أخرى من سمات الإمام عليّ (ع): «من أبرز صفات أمير المؤمنين (عليه السلام) غضّ الطرف عن الأنا والمقرّبين والمحسوبيات والتضحية بهوى النفس والأنانيات من أجل التكليف والواجب الإلهي. ولقد دارت كل الأحداث الكبرى في حياة أمير المؤمنين (عليه السلام) حول هذا المحور» (30 خرداد 1363 ـ 20/06/1984 م).

اعتبر الإمام عليّ (ع) نفسه دوماً وطوال فترات حياته المباركة عبداً لله وخادماً للناس: «كان وجود أمير المؤمنين كزعيم وكقائد وكمسؤول مظهراً للطهر والشفافية والصدق. لم يركن إلى راحة الذات ولم يتفرعن في التعامل مع مرؤوسيه، واعتبر نفسه في كل مكان عبداً لله وخادماً للناس، وعمل مخلصاً لله ومن دون رجاء للدنيا» (28 فروردين 1380 ـ 17/04/2001 م).

الصدق والصراحة أيضاً من الصفات البارزة الأخرى لمولى المتقين والتي أكد عليها سماحة آية الله العظمى السيد الخامنئي: «كان أمير المؤمنين مظهراً للتقوى والأمانة والصدق والصراحة. ومع أن ذلك الإنسان العظيم كان سياسياً وزعيماً للعالم الإسلامي ومديراً ومدبّراً لأمور حشودٍ هائلة من عشرات الملايين في ذلك الحين، ومع عدم توفر وسائل الاتصال الموجودة اليوم، وكان يتحمّل كل هذه المسؤوليات ويدير المجتمع والأمّة الإسلامية، بيد أن سياسته لم تجعله يحيد عن جادة الصدق والصراحة. كان الإمام عليّ صادقاً وصريحاً، وكان يؤمن بما يقوله، وكانت أقواله دليله إلى العمل بها. ذلك أن أقوال وكلمات أمير المؤمنين بقيت على مرّ التاريخ مشعلاً ونوراً للنخبة والمفكرين في العالم» (1 فروردين 1380 ـ 21/03/2001 م).

 

الإمام أمير المؤمنين (ع) قدوة لكل الأجيال الإنسانية

من المحاور الأساسية لكلمات سماحة آية الله العظمى السيد الخامنئي حول شخصية الإمام علي (ع) تأكيده على نموذجيته وكونه قدوة في كافة المجالات: «وجود الإمام أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) درس خالد لا ينسى لكل الأجيال الإنسانية على صعد متعددة وفي الظروف المتنوعة، سواء على صعيد الأعمال الفردية والشخصية أو في محراب العبادة أو في مناجاته، أو في زهده، أو في فنائه وغرقه في ذكر الله، أو في كفاحه ضد الأنا والنفس والشيطان والنزوات النفسية والمادية» (10 بهمن 1369 ـ 30/01/1991 م).

إذا اعتبرنا التقوى: «شدة المراقبة التي يمارسها الإنسان على أعماله الشخصية لكيلا يحيد عن طريق الحق، هذا هو معنى التقوى. أي أن يكون الإنسان مراقباً لنفسه تماماً. يراقب نفسه في مدّ يده إلى الأموال، وفي التطاول على ماء وجه الآخرين، والمراقبة عند اختيار الأفراد، والمراقبة عند إقصاء الأفراد، وعند التكلم فلا يتكلم بخلاف الحق، أي شدة المراقبة» (30 شهريور 1381 ـ 21/09/2002 م)، لو اعتبرنا هذه هي التقوى فلا مراء في أن أمير المؤمنين عليّ (ع) مصداق ونموذج حقيقي للتقوى والورع: «إنه حقاً إمام المتقين ومثال التقوى والورع. إنني أوصي الشعب كله باتباع ذلك الإنسان العظيم والسير على خطاه، وأكثر شيء على صعيد التقوى والورع عن المعاصي ومراقبة الأفعال والأقوال وحتى الذهنيات وما يخطر في القلوب، اقتدوا به وراعوا التقوى» (7 فروردين 1371 ـ 26/03/1992 م).

يذهب سماحة قائد الثورة الإسلامية إلى أن العدالة والإنصاف وطلب الحق وسائر السجايا المتجلية في الإمام أمير المؤمنين (ع) بوسعها إشباع حاجة البشرية المعاصرة إلى هذا المعاني والقيم: «البشرية اليوم تحتاج إلى هذه الخصال التي كان أمير المؤمنين رافع رايتها. إنها خصال لا يصيبها القدم مع تقدم العلم وتطور التقنية وظهور نمط حياة جديد في العالم. فالعدالة لا يطالها القدم، والإنصاف وطلب الحق لا يبليان مع تقادم القرون، ومناهضة الجور لا تنقرض، وارتباط القلب مع الله لا يصاب بالقدم. فهذه الأمور هي اللون الثابت لوجود الإنسان على طول التاريخ. وقد رفع الإمام أمير المؤمنين هذه الرايات، والبشرية اليوم ظامئة لهذا الكلام ولهذه الحقائق» (30 أرديبهشت 1366 ـ 20/05/1987 م).

يبيّن سماحة آية الله العظمى السيد الخامنئي نقطة فحواها أن الإمام علياً (ع) ظهر في كل الساحات في سبيل أداء الواجب بروح جهادية وبالتضحية بنفسه وبالإيثار بكل شيء وبصرف النظر عن نفسه والتضحية بها، ويعتبر أن التأمل في هذه الخصائص دروس حياة لمعالجة مشكلات المجتمع والأمّة الإسلامية: «المجتمع الإسلامي اليوم بحاجة لهذا التجاوز والإيثار والتضحية. يجب أن نتجاوز الأهواء والنزوات والأنانيات والذات، وما لم نتجاوز فلن تحلّ العقد. ما لم نسحق الأنا والذاتيات فلن تعالج المشكلات ولن ترتفع العقبات. واليوم أيضاً مفتاح حلّ كلّ المشكلات في العالم الإسلامي وفي مجتمعنا هو هذا الدرس الكبير الذي لقّنه أمير المؤمنين لنا طوال خمسين عاماً من حياته الإسلامية وضحى بنفسه في هذا السبيل» (9 خرداد 1365 ـ 30/05/1986 م).

المحبّة الحقيقية والمحبّة الصورية

تعميق المحبّة والعشق للساحة المقدسة للإمام عليّ وأهل البيت (ع) من النقاط التي شدّد عليها سماحة آية الله العظمى السيد الخامنئي في كلماته: «لدينا محبّة حقيقية ومحبّة صورية. المحبّة الحقيقية من قبيل محبتكم لأبنائكم، وما من مشكلة تصرفكم عن الاهتمام بمرض أبنائكم والأخطار التي تهددهم والأمور التي تقلقهم. هذه هي المحبة الحقيقية. وهناك محبّة لسانية تفارق الإنسان في الظروف الحساسة والمواطن الخطيرة. إذا ابتعدنا لا سمح الله عن أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام) فسيكون هذا هو حالنا، ستكون محبتنا لسانية ومجرد ادعاءات. ستكون محبة لن تأخذ بأيدينا عندما نحتاج إليها. ولكن إذا اتبعنا السبيل الذي يفضي إلى أمير المؤمنين فكلما تقدمنا إلى الأمام أكثر تعمقت هذه المحبة والمودة» (29 دي 1370 ـ 19/01/1992 م).

مع أن الارتقاء إلى المراتب المعنوية السامية لأمير المؤمنين غير متاح للبشرية، ولكن يمكن باتباعه السير في الاتجاه الصحيح للمسيرة الإلهية: «سمعت بنفسي من المرحوم العلامة الطباطبائي (رضوان الله تعالى عليه) ولا أدري هل كتب هذا في مكان ما أم لا، يقول: عندما يقول لنا الإمام تعالوا نحوي فهو أشبه بالذي يقف على قمة جبل ويقول للذين يقفون على السفوح تعالوا نحوي. هذا لا يعني أن كل واحد من هؤلاء السائرين والمتسلقين يمكنه الوصول إلى القمة، لا، إنما يقول إن الطريق من هذا الاتجاه، ويجب أن تأتوا من هنا، لا ينزل أحدكم إلى الأسفل، ولا يسير أحدكم في مسير الهاوية والسقوط. أي إنكم إذا أردتم السير بصورة صحيحة فالاتجاه الصحيح للمسير هو هذا الذي أقف أنا فيه. يقول أمير المؤمنين إن الحياة يجب أن تسير باتجاه الزهد. وفي الجمهورية الإسلامية اليوم إذا شعرنا أن الحياة سائرة باتجاه النزعة الأرستقراطية والبذخ فهذا انحراف بلا شك ودون أي نقاش. يجب أن نسير باتجاه الزهد» (26 فروردين 1370 ـ 15/04/1991 م).

يتطرق كتاب «الخالد عبر التاريخ» القيّم لجوانب شتى من شخصية الإمام عليّ (ع) في كلمات قائد الثورة الإسلامية، وفي ضوء التوثيقات التاريخية الموجودة في متن الكلمات وهوامش الصفحات فهو بلا شك دليل نادر لمعرفة مولى المتقين (عليه السلام). على أمل أن ينال المجتمع الإسلامي مزيداً من التقدم المادي والمعنوي عبر الاعتصام بحبل محبة عليّ (ع) المتين والاقتداء بخصاله الفذة.

 

بمقدورالراغبين الحصول على هذا الكتاب بالضغط هنا.

تعليقاتكم
[رمز الحماية الجديد]