منذ النصف من خرداد.. أطروحة أفكار سماحة آية الله السيد الخامنئي ومنهجه القيادي

منذ النصف من خرداد.. أطروحة أفكار سماحة آية الله السيد الخامنئي ومنهجه القيادي

اعتمدت في هذا الكتاب كلمات ومذكرات سماحة قائد الثورة الإسلامية في محاولة من الكاتب لتقديم صورة واضحة، ومختصرة في الوقت ذاته، للخطوط العامّة لحياة وشخصية وأفكار وقيادة سماحة آية الله السيد عليّ الخامنئي.

أعدّ هذا الكتاب السيد مصطفى غفاري، ويمكن اعتباره النموذج الأول لـ «دراسات وبحوث القيادة» القائمة على تجربة الثورة الإسلامية، وهي دراسة لم تتطرق فقط لأفكار آية الله السيد الخامنئي بل تناولت أيضاً نموذج أدائه وآليات قيادته. «من النصف من خرداد» عنوان لافت ومناسب لكتاب حاول فيه المؤلف عرض نموذج وأطروحة لأفكار سماحة آية الله الخامنئي وأسلوبه في القيادة. يحتوي الكتاب في بدايته على استعراض لدور سماحته في بعض جوانب سيناريو الفيلم السينمائي المعروف «المكتب الزجاجي»، الأمر الذي يخلق رغبة وميلاً وتطلعاً لدى القارئ ويبشّره بأنه أمام كتاب مختلف في أسلوبه وطريقة معالجاته. نعم، ثمة في مواضع مختلفة من الكتاب نقاط مفاجئة ولافتة للقراء.

يوضح المؤلف أن الأهداف الأساسية المتوخاة من تدوين هذا الكتاب تتلخص في التعرف الإجمالي على الحياة الفكرية والسياسية والعناصر المكونة لشخصية آية الله السيد الخامنئي، واستيعاب أهم أبعاد المنظومة الفكرية لسماحته إلى جانب نماذج من أفعاله غير الكلامية، والتوفر على إدراك للآليات الأساسية في نموذجه القيادي، وبالتالي تقديم تصور للمصالحة بين النزعة المثالية المبدئية والنزعة الواقعية في الإدارة العامة لديه.

من حيث البناء يتكون الكتاب من أربعة أقسام:

القسم الأول يختص بالحياة العلمية والاجتماعية والكفاح السياسي وبعض خصوصيات سماحة آية الله السيد الخامنئي.

وتنصب المحاولة في القسم الثاني واعتماداً على كلمات سماحة السيد القائد، على تقديم خارطة أو أطروحة عامّة لأفكاره.

ويختص القسم الثالث بنموذج القيادة لدى آية الله السيد الخامنئي، ويتمّ فيه تسليط الضوء على مهمات القيادة في إطار آليتين هما «صناعة الخطاب» و«المأسسة».

أما القسم الرابع فهو بحث حول كيفية التوصل إلى فهم صحيح لكلمات سماحة قائد الثورة الإسلامية وأقواله.

من بين البحوث المطروحة في هذا الكتاب تلاحظ أمور يمكن أن يكون كل واحد منها لافتاً وجذاباً من نوعه، ويمكن لمناقشتها أن تساعد القارئ على معرفة الوضع السياسي والحكومي في المجتمع الإيراني بشكل عام، والتعرف على نموذج وأسلوب آية الله الخامنئي في الحكم بشكل خاص. ومن هذه الأمور ما يمكن طرحه على شكل الأسئلة التالية: هل يقدم سماحة آية الله السيد الخامنئي النزعة المثالية المبدئية على النزعة الواقعية في السياسة والسيرة العملية أم العكس، أم أنه يعتمد تركيبة متوازنة من النزعتين؟ ما هي رؤية سماحته لولاية الفقيه المطلقة، والأحكام الحكومية للولي الفقيه، وحدود تدخل القيادة في الأمور والأعمال؟ ما هي الحالات التي أصدر فيها آية الله الخامنئي لحد الآن أحكاماً حكومية ملزمة، وما كانت أسباب ذلك، وعلى أية أسس قامت تلك الأحكام؟ كيف تشرف هيئة التحقيق والإشراف على أداء القيادة (المنتخبة من قبل مجلس خبراء القيادة) وعلى القائد وبيته، وما هو الرأي الصريح لآية الله الخامنئي في الإشراف على القيادة؟ هل يرى آية الله الخامنئي العالم الغربي كلاً واحداً كما يذهب بعض المفكرين المعاصرين، وهل يعتقد بقبول أو رفض عام للتقنية والثقافة الغربية أم لا؟ وفي هذا الإطار ما هي النقود التي يوجّهها آية الله الخامنئي للذين يتجاهلون بعض الخصوصيات الإيجابية في العالم الغربي من قبيل المثابرة والمجازفة، ويركزون على التهتك والإباحية وما شاكل من الظواهر هناك؟ وضمن أي سياقات وتيارات فكرية يمكن إدراج وتحليل وتقييم تصوراته فيما يتعلق بطبيعة الموقف من الغرب؟ ولماذا لم يوافق سماحته على منحه دكتوراه فخرية من قبل الهيئة الرئاسية في جامعة طهران، وشكرهم على مبادرتهم هذه؟ على الرغم من معارضته الصريحة لحالات المديح والتمجيد والثناء له ومنعه استخدام تعابير من قبيل «ضرورة الذوبان في الولاية»، لماذا لا يزال البعض يستخدم هذه الأدبيات بين حين وحين؟ لماذا يضع آية الله السيد الخامنئي منذ سنوات «الكوفيّة» على كتفيه في كل مكان يظهر فيه؟ لماذا تحولت جلسته مع الشعراء في النصف من رمضان إلى برنامج ثابت من برامجه السنوية؟ وأمور ومسائل أخرى من هذا القبيل.

يعد كتاب «من النصف من خرداد» أشمل وأجمع عمل بحثي من نوعه ظهر لحد الآن، وقد انصبت فيه المحاولة على إثارة هذه البحوث والقضايا ومعالجتها والإجابة عنها. يستفاد في هذا الكتاب من كلمات السيد القائد واعتمادها كمصادر وإحالات، وتُعتمد فيه البحوثُ النظرية والعلمية، كما تركزت المحاولة فيه على تصنيف البحوث وتبويبها على أساس الأصول العلمية والمنطقية. وعلى نحو الخصوص عندما يجري الحديث عن قضية الخطاب يستخدم الكاتب الأصول العلمية في تعريف «الخطاب» وشرح عناصره ومؤشراته ليستعرض بشكل مدروس ودقيق تعاريف وتصورات آية الله السيد الخامنئي عن «الخطاب»، ثم يعدد الأصول والعناصر الخطابية في أفكاره. وقد استطاع المؤلف، خصوصاً، تسليط الأضواء على «غيرية وآخرية» الخطابات، ووهي من الأصول الأساسية ووجوه التمايز فيما بينها، في الكلمات والأفعال والمواقف السياسية لسماحته، والتقدم بالبحث إلى الأمام على نحو متقن محبذ. على سبيل المثال عندما يشير إلى فتنة عام 88 [2009 م] في إطار مناقشته لقضية صناعة الخطاب كآلية وأداة يعتمدها آية الله السيد الخامنئي إلى جانب «المأسسة» لـ «إدارة قيمية عامة»، يوضح المؤلف كيف أنه عندما وجّه البعض التهم للنظام الإسلامي باستخدامهم مفردة «التلاعب» استفاد سماحته استفادة عقلائية دقيقة من مفردات ومصطلحات نظير: «الفتنة، مسجد ضرار، صورة كاريكاتيرية لثورة 57 ، البصيرة، الاستقطاب الأقصى والنبذ الأدنى، و...» ليرسم حدوداً فاصلة دقيقة مع مروّجي الفتنة. وبعد هذا البحث تطرح مراحل صناعة الخطاب من قبل سماحة القائد بحيث يمكن لكل شريحة من شرائح المجتمع أن تعي واجباتها على أحسن نحو:

صناعة المفردات> الإقناع، الاعتقاد ومبادرات النخبة> المطالبة العامة> المأسسة> اتخاذ القرار (المسؤولين والمؤسسات المكلفة باتخاذ القرار).

في موضوع «المأسسة» أو «بناء المؤسسات» أيضاً تتركز المحاولة في هذا الكتاب على مساعي آية الله الخامنئي لإيجاد مؤسسات جديدة في إطار دستورالبلاد (طبعاً بمراعاة الاعتبارات المتعلقة بكفاءة المؤسسات الموجودة والاستفادة الأمثل من طاقاتها وإمكانياتها). مساعي ودعم قائد الثورة الإسلامية لتشكيل وتأسيس المؤسسات التالية، ما هي إلا جزء من هذا المنحى بوصفه أداة يعتمدها آية الله الخامنئي في نموذجه القيادي: المجمع العالمي لأهل البيت، المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية في سنة 1990 ، دعم تأسيس مركز رويان العلمي في عقد التسعينيات، تشكيل المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية في عام 2006 م ، تأسيس الهيئة العليا لحل الخلافات بين السلطات الثلاث في عام 2011 ، وكذلك تأسيس مركز النموذج الإسلامي ـ الإيراني للتقدم، والمجلس الأعلى للفضاء الافتراضي في العام نفسه، و...

من وجهة نظر المؤلف، تندرج الأطروحة العامة لآية الله السيد الخامنئي في إدارة البلاد ضمن إطار «سيادة الشعب الدينية»، وتتابع بالمنهج العام «المبدئية الواقعية»، وتقوم على أساس «التحرر الفكري»، وتعتمد على الركن الاجتماعي «الشاب المؤمن الثوري»، وتقاد وفق نموذج «الإدارة الجهادية»، وتغترف من سياسات نظير «الاقتصاد المقاوم» وتقنيات مثل «المرونة البطولية». ومع أن هذه الأطروحة قد تصادف في مسيرتها حالات من «الغزو الثقافي» ومنعطفات مثل «التساقط والنماء»، لكنها قادرة في نهاية المطاف على تحقيق مكاسب من قبيل زيادة «العمق الاستراتيجي» للجمهورية الإسلامية. وتتناغم هذه الأطروحة العامة مع مصير العالم الإسلامي في إطار «الصحوة الإسلامية» وترمي إلى هدف صناعة حضارة إسلامية جديدة تعبّر عن نفسها في «أسلوب الحياة الإسلامي ـ الإيراني». من هذه الزاوية وبنظرة جامعة، حاول آية الله السيد الخامنئي خلال فترة قيادته مضاعفة الاقتدار الوطني على أسس الاستقلال الثقافي والنمو العلمي والاقتصاد المقاوم وسيادة الشعب الدينية، والمساعدة على رفع مستوى عزة الأمة الإسلامية. مضافاً إلى ذلك وكما قال سماحته بنفسه فقد سعى دوماً لتسديد التحركات السياسية والثقافية والفكرية للمجتمع من منطلق ثلاثية «الصراحة في العقيدة» و«الحسم في الموقف» و«التسامح في السلوك».

إلى جانب هذه المواضيع، من المحتويات اللافتة في هذا الكتاب والتي تزيده جاذبية عند القراء تطرقه لقضايا وأحداث من قبيل زيارة سماحة القائد المفاجئة لأحد الصفوف الدراسية في جامعة طهران، ودور ومكانة بيته ونوابه وممثليه في كل أنحاء البلاد، وصحة أو خطأ نسبة آرائهم إليه، والقضايا والملفات التي يعالجها سماحته في العقد الثالث من قيادته مثل الملف النووي، والصحوة الإسلامية الجديدة، والحرب الغربية بالوكالة في سورية، بل حتى تفاصيل أكثر جزئية من قبيل أي حديث للإمام عليّ (ع) يعلقه آية الله الخامنئي كلوحة في غرفة عمله، أو صورة أي علماء الدين يعلقها هناك. لا شك في أن هذا الكتاب لا يُعدّ نهاية أعمال من هذا القبيل بل هو البداية لتدوين كتب ذات نظرة تحليلية تتمحور حول مدار «البحوث القيادية» في الجمهورية الإسلامية، سعياً إلى صياغة نظريات من كلمات قادة الثورة الإسلامية وشخصياتها للسير قدماً نحو أهداف الثورة التي مضت عليها عدة عقود، وتصل في هذه الأيام إلى الذكرى السنوية لبدء حقبة قيادة آية الله السيد الخامنئي ومبايعة الناس له «من النصف من خرداد» سنة 1368 هـ ش [05/06/1989 م].

تعليقاتكم
[رمز الحماية الجديد]