الأربعين؛ تجلّي الجاذبة المغناطيسيّة الحسينيّة

الأربعين؛ تجلّي الجاذبة المغناطيسيّة الحسينيّة

إشارة

يحتوي كتاب ”الجاذبة الحسينيّة“ على اقتباسات من خطابات الإمام الخامنئي حول موضوعي الأربعين وزينب  الكبرى (سلام الله عليها) تمّ اختيارها من كتاب المرجع حول الإمام الحسين تحت عنوان ”الشمس في ميدان المواجهة“. فيما يلي استعراض للكلمة الثانية من هذا الكتاب حيث يحلّل فيها سماحته قضيّة الأربعين وأهميّتها:

 

نظرة تاريخيّة

من وجهة نظر الإمام الخامنئي فالأساس المسلّم به من الناحية التاريخيّة أنّ أهل بيت الإمام الحسين (عليه السلام) عادوا إلى كربلاء في يوم الأربعين؛ لكن موضع الشكّ لدى بعض المؤرّخين يكمن  في هل كان ذلك في العام الأوّل أو الثاني.  إذ أنّهم يشكلون على إمكانيّة أن يصل أهل البيت (عليهم السلام) إلى كربلاء في يوم الأربعين؟ يقول سماحته بأنّ المرحوم الشهيد آية الله القاضي الطباطبائي (قده) أجرى بحثاً مفصّلاً أثبت فيه إمكانيّة ذلك من الناحية التاريخيّة. ومن جهة أخرى من المسلّمات التاريخيّة أنّ جابر بن عبدالله الأنصاري الذي كان من الأصحاب في معركة بدر وكان صحابيّاً جليلاً للرّسول الأكرم أوصل نفسه مع عطيّة العوفي الذي كان من التابعين الكبار وكان حينها أصغر سنّاً من جابر في الأربعين الأول إلى كربلاء.

كما أنّ المرحوم السيّد ابن طاووس -وسائر العظام- كتبوا بأنّه عندما وصلت قافة الأسرى -أي السيّدة زينب (سلام الله عليها) والآخرين- إلى كربلاء، لم يكن هناك جابر وعطيّة فقط؛ بل كانت هناك ”جماعة من بني هاشم“ أي كانت هناك مجموعة من بني هاشم والمحبّين لأهل البيت (عليهم السلام) مجتمعين هناك واستقبلوا السيّدة زينب الكبرى (سلام الله عليها). إذاً يمكن القول أنّه لا شكّ تقريباً من الناحية التاريخيّة في أساس القضيّة. لكن إذا تخطّينا البُعد التاريخي، سوف تكتسب سائر جوانب القضيّة الأهميّة  ويشرح الإمام الخامنئي أهميّة هذا الأمر:

 

بحثاً عن سرّ معيّن

عندما تنطلق حركة كهذه بواسطة شخصيّة كالإمام السجّاد (عليه السلام) أو زينب الكبرى (سلام الله عليها)، لا ينبغي التطلّع إلى هذا الأمر واعتباره مثل سائر الشؤون العاديّة الظاهريّة الرائجة. بل ينبغي البحث في تصرّفاتهم على أسرار أكبر وأعظم. ولأجل أن ندرك هذا السرّ، ينبغي أن نلتفت إلى جانب آخر من القضيّة هو:

إذا افترضنا أنّه بعد وقوع حدث بحجم هذه الشهادة العظيمة في التاريخ، نجح بنو أميّة في إزالة ذكرى جسد طاهر كجسد أبي عبدالله (عليه السلام) وأصحابه من أذهان الأجيال البشريّة، هل ستكون لهذه الشهادة فائدة للتاريخ والعالم الإسلامي؟ هل كان سيكون هذا الحدث الكبير قادراً على ترك تأثير واضح ومبيّن على مآزق وظلمات المرحلة الآتية من التاريخ؟ هنا تُطرح قضيّة هامّة أخرى: إلى أيّ مدى أصبح الشهداء قدوة على مدى التاريخ؟ لطالما كان الأمر على هذا النحو في التاريخ بأنّ السيرة التي تُخلّد هي سيرة ذلك الشهيد الذي تعلم وتسمع الأجيال المعاصرة والمستقبلية بشهادته ومظلوميّته  هي التي تغدو درساً خالداً لهم. والسيرة  التي تُخلّد هي سيرة ذلك الشهيد الذي تفور دمائه وتسري على مدى التاريخ.

لذلك نرى بأنّ كافة الأجهزة الدعائيّة كانت مجهّزة وحاضرة للتعتيم على حادثة عاشوراء وقضيّة أهل البيت ككل لكي لا يسمحوا للناس بأن يعلموا بما حصل وماذا كانت القضيّة؛ وكانوا مستعدّين لإنفاق كلّ ما يملكون من أجل أن لا يبقى اسم وذكر الحسين (عليه السلام) ولا تبقى دماء الحسين (عليه السلام) وأن لا تصبح الشهادة في عاشوراء درساً للناس في ذلك الزمان وللشعوب القادمة. لذلك نرى أنّ قبر الحسين بن علي (عليه السلام) هُدم أيضاً في أواسط مرحلة بني العباس وفتحوا المياه عليه.و… لكي يستطيعوا محو ذكراه من الأذهان.

 

الأربعين بمثابة امتداد لعاشوراء

هنا يتجلّى سرّ حركة الإمام السجّاد (عليه السلام) وزينب الكبرى (سلام الله عليها). لقد أرادا بهذه الخطوة أن يُفهموا أبناء البشريّة والتاريخ بأجمعه أنّ حادثة عاشوراء لا زالت مستمرّة.  فالقضيّة لم تنتهِ بالقتل، والدفن والأسر ومن ثمّ إطلاق سراح الأسرى. بل أنّهم علّموا الشيعة بأنّ هذا المكان هو محلّ اجتماعكم. وهنا ميعاد كبير يجب التذكير فيه بهدف المجتمع الشيعي والهدف العظيم للمجتمع الإسلامي  والعمل من أجل تحقيقه ودفع الأثمان من أجل ذلك.

لذلك فإنّ هذا اليوم، وبتدبير وحكمة من أهل بيت النبي، خلّد ذكرى النهضة الحسينيّة للأبد وقد تمّ التأسيس حينها لهذا العمل. لو لم تكن هذه الحركة، لكان الجهاز الإعلامي العظيم للعدوّ النّشط جدّاً صوّر أنّ الحسين  بن علي (عليه السلام) قام ضدّ النظام العادل والحكومة الإسلامية وثار من أجل الدنيا! ولكان الناس صدّقوا ذلك ولكانت عاشوراء مُحيت رويداً رويداً من الأذهان. لذلك فإنّ قضيّة الأربعين كانت امتداداً لحركة عاشوراء في واقع الأمر. وميزة الأربعين هي أنّ ذكرى شهادة الحسين أحييت في الأربعين الحسيني.

إذاً، قامت زينب الكبرى (سلام الله عليها) بحركتين: إحداهما حركة الأسر إلى الكوفة والشام وتلك التوضيحات وتلك الخطابات التي أدّت إلى إفشاء الحقائق. ثانياً، العودة إلى كربلاء من أجل الزيارة في الأربعين. ولا فرق إن كان ذلك في الأربعين الأوّل أو الثاني.

والأربعين هو ذلك اليوم الذي رفرفت فيه راية رسالة الشهادة في كربلاء. ولا فرق إن كانت عائلة الإمام الحسين عادت إلى كربلاء في الأربعين الأوّل أم لم تعد حينها. لكنّ الأربعين الأوّل هو ذلك اليوم الذي عاد فيه للمرّة الأولى زوّار الحسين بن علي (عليه السلام) المعروفين إلى كربلاء. إذاً درس الأربعين هو أنّه ينبغي إحياء ذكرى الحقيقة وذكرى الشهادة مقابل إعصار إعلام الأعداء.

 

جاذبة المغناطيس الحسيني

لقد كان الأربعين نقطة بداية وانطلاقة في حادثة كربلاء. فبدء جذب المغناطيس الحسيني كان في يوم الأربعين. هذه الجاذبة دفعت جابر بن عبدالله الأنصاري لأن ينهض من المدينة ويسير باتجاه كربلاء. هذا المغناطيس قويّ الجذب، جذب أوّل القلوب إليه في الأربعين. فذهاب جابر وعطيّة لزيارة الإمام الحسين في الأربعين الأوّل شكّل نقطة بداية لحركة محفوفة بالبركة لا زالت مستمرّة بشكل متواصل على مدى القرون وحتّى اليوم.

 

لذلك نرى أنّهم ينطلقون للزيارة كالذين ينطلقون لزيارة بيت الله والطواف حوله. يقول عطيّة عندما أردنا أن نذهب إلى هناك، قال جابر: فلنذهب بداية إلى الشّط ونغتسل. اغتسل على شطّ الفرات ومن ثمّ ربط قطيفة على ظهره وحمل قطيفة على كتفه.

 

نيران العشق

كربلاء كعبة القلوب. فمنشأ تحرّك الناس من أقطار العالم بحبّ وشوق وبتلك الحالة باتجاه هذه الكعبة ليس مجرّد الإيمان والاعتقاد بل ”العشق“. هذه المحبّة وهذا العشق نار لاهبة يزداد التهابها يوماً بعد يوم ولا يمكن أن تخمد. لذلك نرى أنّه خلافاً للحال الطبيعيّة للعالم، بحيث مهما يمرّ الزمان على الحادثة تتقلّص دائرة تأثيرها، فإنّ هذه الحادثة ازداد مدى تأثيرها وبروزها وتخلّدت أكثر فأكثر مع مرور الزمان.

 

العالم اليوم، امتدادٌ للأربعين

هذه هي ميزة الأربعين؛ ففي الأربعين يكون فضح الحقائق، والعمل، وتحقّق الأهداف من فضح هذه الحقائق. لذلك نرى أنّ إحدى مظاهر تحقّق هذه الأهميّة التي ذُكرت للأربعين كانت في ثورة الشعب الإيراني الإسلامية. ونفس هذه القضية وقعت في أربعين مدينة تبريز في إيران. فلو لم تحدث واقعة ٢٩ بهمن عام ١٣٥٦ هجري شمسي (١٨ شباط ١٩٧٨) في تبريز ولم يتم إحياء ذكرى شهداء قم بواسطة التبريزيّين بتلك الشاكلة وبتلك التضحيات، لكان من الممكن أن يتّخذ مسار الكفاح الثوري منحى آخر. لقد أحيت ثورة تبريز قضيّة الدماء المسفوكة في قم، وقد قدّموا أثماناً باهظة، لكنّ النتيجة كانت أنّ البلد بأكمله ثار واستيقظ وتمّت إقامة عدّة مراسم أربعين لشهداء تبريز واستمرّت المسيرة.

 

لذلك بإمكاننا أن نستفيد من هذه القدرة التاريخية العظيمة بنحو مهم من أجل الاسلام وانتصار الأمّة الإسلاميّة. لو أنّ الشعوب المسلمة في كلّ هذه المنطقة الواسعة من الكرة الأرضيّة اتحدت في التوجهات العامّة وليس على مستوى التفاصيل والجزئيات، لوصل العالم الإسلامي إلى قمة التسامي والرقيّ. والأربعين أمّن فرصة مميّزة لهذا الاتحاد والتلاحم والتعاضد واتخاذ الوجهة الواحدة.

تعليقاتكم
[رمز الحماية الجديد]